عبد العزيز الدريني
37
طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب
الفصل الخامس في ذكر النبي صلى اللّه عليه وسلم الحمد للّه الذي نظم عقود المصنوعات فهي الشاهدة بإلهيته متفقة ، وبيّن بحدوثها قدم صفاته فالعقول على كمال علمه وقدرته مطبقة ، وباين بإرادته بين صفاتها فهي بتصريف إرادته مفترقة ، فالسماء كأنها قبة لازوردية ، والنجوم فيها قناديل معلقة ، والشمس كالملك والقمر كالوزير ، والنجوم حوله جنود محدقة ، والأرض قبل نزول الغيث كالفقير المسكين فهي بالحرارة واليبس محترقة . فإذا ساقت إليها يد الإنعام تحف الغمام سقاها من الماء عذبه ، فألان يابسها وزان يائسها ونسج طرازها فأحسن رونقه ، فالرياض تهتز من طرب الوصال ، والأغصان تميل في حلل الجمال ، ونسيم السحر يفتح من الزهر مغلقه ، وخطيب الأزهار والأطيار على منابر الأوكار يغرد في الأسحار بنغمات العز مطلقه ، والأكوان كلها تنادى بلسان الحال ( تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ) الذي خلق الإنسان من نطفة ثم من علقة . ( وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ ) والأفكار تسرح في رياض آلائه ، فإذا انتهت إلى حمى كبريائه رجعت قاصرة معترقة مطرقة ، فسبحان من حجب الأوهام عن الإحاطة بصمديته فهي في بحار تعظيمه معرفة ، وفتح باب كرمه إلى القاصدين إذا ظلت أبواب غيره مغلقة ، وقبل توبة من أناب إليه وأقلع عن أفعاله الموبقة ، سمع شكوى العبد الضعيف إذا لاذ بحماه الشريف يطلب الصدقة ، فأجاب سؤاله وحقق آماله وأمّن خوفه ومنّ عليه وأعتقه ، وشرّف نوع الإنسان عن جنس الحيوان بما ألهمه من البيان وأنطقه ، وأكرم المؤمن بتحف الإيمان والعرفان فهداه